السيد حيدر الآملي

33

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ذلك ، وليس العالم في حال وجوده بشيء سوى الصّور الَّتي قبلها العماء وظهرت فيه ، فالعالم إن نظرت حقيقته انّما هو عرض زائل أي في حكم الزّوال ، وهو قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ [ سورة القصص : 88 ] . وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : أصدق بيت قالته العرب . قول لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل ( 14 ) .

--> ( 14 ) قوله : قول لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل البيت من أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري وهو من الصحابة وله ديوان وشارح ديوانه الطوسي . قال الطريحي في مجمع البحرين : لبيد بن عامر الشاعر الصّحابي وهو المقول فيه أصدق كلمة قالها لبيد : ( الشعر ) . نقل الشيخ البهائي من حواشي السيوطي على البيضاوي : إنّ لبيدا قد عاش مائة وخمسة وأربعين سنة وهو القائل : ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا النّاس كيف لبيد وراجع في ترجمته أيضا الإصابة للعسقلاني ج 3 ، ص 326 ، وفي الإستيعاب في هامش الإصابة في نفس الصفحة . في صحيح مسلم ج 4 ، كتاب الشعر ، ص 1768 ، بإسناده عن أبي هريرة عن النّبي ( ص ) قال : أصدق بيت - أشعر كلمة - أصدق كلمة تكلَّمت بها العرب - قالها الشاعر - قالته الشعراء : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل ذكره أيضا ابن ماجة في سننه ج 2 ، ص 1236 ، الحديث 3757 . قال صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ، ص 89 : اهتزت نفس النبيّ اهتزازا علويّا لا سفليّا حيث سمع قول لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل وطربت طربا قدسيّا لا حسّيّا ، وقال : اللَّهمّ إلَّا أنّ العيش عيش الآخرة . أقول ، الشعر المذكور في معنى قوله تعالى : * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ ) * . وقوله تعالى : * ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْه ُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ ) * [ سورة الرّحمن : 27 ] . وأمّا قوله ( ص ) أنّ العيش عيش الآخرة ، فإنّ الحياة الحقيقيّة ما لا تكون مشوبة بالموت والفناء ولا تنتهي إلى الموت ، والحياة التي بهذه الصفة هي حياة الآخرة بقوله تعالى : * ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * [ سورة العنكبوت : 64 ] . ولا بأس بذكر بعض ما ذكره العلَّامة المجلسي في : ( لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ) في كتابه القيّم بحار الأنوار ، قال في ج 70 ، ص 2945 ، نقلا عن مصباح الشريعة : قال الصادق عليه السّلام : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل وقال في ج 92 ، ص 132 : جاء لبيد وآمن برسول اللَّه ( ص ) وترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن ، فقيل له : ما فعلت قصيدتاك ؟ قال : أبدلني اللَّه بهما سورتي البقرة وآل عمران . ذكره أيضا الراوندي في كتابه الخرائج والجرائح ج 3 ، ص 994 فراجع . وقال في ج 51 ، ص 245 : عاش لبيد بن ربيعة بن الجعفريّ مائة وأربعين سنة وأدرك الإسلام فأسلم فلمّا بلغ سبعين من عمره أنشأ يقول : كأنّي وقد جاوزت سبعين حجّة خلعت بها عن منكبيّ ردائيا إلى أن قال : فلمّا بلغ مائة وأربعين سنة أنشأ يقول : ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا النّاس كيف لبيد إلى آخر ما قال فراجع . وقال في ج 17 ، ص 166 : وقد قيل : إنّ أحسن الشعر أكذبه ، ولهذا فإنّ لبيد بن ربيعة وحسّان بن ثابت لمّا أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخييل ركّ شعرهما . وقال في ج 18 ، ص 22 ( نقلا عن المناقب ج 1 ، ص 115 وعن الخرائج ج 1 ، ص 33 وعن إعلام الورى ص 28 ) : من معجزاته ( ص ) : أن أبا براء ملاعب الأسنّة ( هذا الرّجل كان جدّ لبيد ) كان به استسقاء فبعث إليه ( ص ) لبيد بن ربيعة ، وأهدى له ( ص ) فرسين ونجائب ، فقال ( ص ) : لا أقبل هديّة مشرك ، قال لبيد : ما كنت أرى أنّ رجلا من مضر يردّ هديّة أبي براء ، فقال ( ص ) : لو كنت قابلا هديّة من مشرك لقبلتها ، قال : فإنّه يستشفيك من علَّة أصابته في بطنه ، فأخذ ( ص ) حثوة من الأرض فتفل عليها ثمّ أعطاه وقال ( ص ) : دفها بماء ثمّ أسقه إيّاه ، فأخذها متعجّبا يرى أنّه قد استهزئ به ، فأتاه فشربها وأطلق من مرضه كأنّما أنشط من عقال . أقول : الحثو : قبض التراب باليد . حثا الرّجل التراب ( يحثوه ) حثوا ويحثيه حثيا ، من باب رمى ، إذا هاله بيده وبعضهم يقول : قبضه بيده . الحثي ( مص ) ج حثيات : ما غرف باليد من التّراب وغيره ، ويقال حثا التراب ونحوه ( حثوا ) عليه وله : أعطاه شيئا يسيرا . راجع المصباح المنير والمعجم الوسيط والمنجد وغيرها .